أخبار المركزأوراق تحليليةإصدارات المركزترجماتتقدير موقففعاليات

عن جدلية الانتخابات الصومالية

عن جدلية الانتخابات الصومالية

الشافعي ابتدون

كاتب وباحث صومالي مهتم بقضايا القرن الأفريقي مشرف وحدة الدراسات في مركز الصومال للدراسات
Print Friendly, PDF & Email

الشافعي أبتدون

يسود اللغط  والجدل هذه الأيام في المشهد السياسي بشأن الانتخابات الصومالية المرتقبة التي ستُجرى مطلع عام 2021؛ حيث بات الغموض يكتنف مصيرها، التي كانت من المفترض أن تبدأ إدارة الرئيس الصومالي محمد عبدالله فرماجو استعداداتها مبكراً، إذ لم تقرر بعد الهيئة الوطنية للانتخابات موعداً لبدء الانتخابات النيابية في الدوائر الانتخابية الخمسة في الأقاليم الفيدرالية المنضوية تحت الحكومة الفيدرالية في مقديشو .

وأصبح شأن الانتخابات الصومالية حديث الإعلام المحلي ويتداول بكثرة في الإعلام البديل المنفلت العقال؛ حيث تواجه الحكومة الفيدرالية تهماً كثيرة، بخصوص نياتها في تأجيل موعد الانتخابات وتمديد فترة حكمها، تحت ذرائع مختلفة، أولها أزمة كورونا الصحية، والكوارث الطبيعية التي تشهدها الصومال وخاصة مياه الفيضان التي شردت حتى الآن نحو مليون وأربعمئة صومالي، وتهدد سكان المناطق الجنوبية بالنزوح نحو خيام مقديشو التي أصبح بقاءها ليس أقل تكلفة من شقاء الجوع ومياه الفيضانات .

مع عودة الكثير من زعماء المعارضة من الخارج؛ بعد أن علقوا في دول مثل كينيا وتركيا، أصبح الشارع الصومالي يغلي ويجيش بتوترات بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة، إذ تصر المعارضة على تنظيم الانتخابات رغم كل الظروف التي تمر بها البلاد، بينما في المقابل تلتزم الحكومة الفيدرالية الصمت بشأن تفنيد تهم المعارضة حول نواياها في تمرير أجندات سياسية جديدة تسمح لها ضخ شعلة حياتها المتضاءلة بمزيد من النفس، من أجل تدارك الوضع وترتيب بيتها من الداخل، لمواجهة معارضة داخلية وأخرى إقليمية وخارجية .

يتساءل كثير من زعماء المعارضة، لماذا لا يظهر الرئيس الصومالي فرماجو (2012-2021) إلى العلن، ويجري لقاءات حوارية مفتوحة أو مقابلات تلفزيونية للحديث عن الوضع السياسي في البلاد، دون أن يجري لقاءات مكتوبة ومسجلة سلفاً، ولا يسمح للإعلام المحلي بإمكانية تغطية تلك المؤتمرات الصحفية ومساءلة المسؤولين في الحكومة الفيدرالية في قضايا جوهرية ذات علاقة بمستقبل البلاد أمنياً وسياسياً .

ما يتداول حالياً في الميديا الإجتماعية من استطلاع رأي أو التصويت للمرشحين عبر منصات التواصل الإجتماعي( الفيسبوك ) تظهر مدى التحام القوى السياسية والأطراف الفاعلة في المشهد الصومالي وتوجه البلاد نحو انتخابات مصيرية، يكون المال السياسي والفساد الانتخابي كبيرين، بسبب أطراف دولية وعربية وإقليمية تغذي الصراع الداخلي، فالحسابات الخارجية أكبر تأثيراً من الصراعات السياسية بين المرشحين للانتخابات التي ستكون بلا شك بمنزلة معركة كسر عظام مفصلية بالنسبة لمستقبل البلاد والعباد .

حالياً، لاتتوافر أدنى مؤشرات قوية حول إمكانية تنظيم يشارك فيها الشعب، ويكون صوته الفيصل في الانتخابات القادمة، نظراً لعدم توفر الوقت الكافي لترتيب انتخابات شعبية بديلة، لكن يمكن تنظيم الانتخابات التي أوصلت رئيس البلاد حالياً إلى كرسي الحكم، إي اختيار رؤساء العشائر عن ممثليهم في البرلمان الصومالي، والذين يحق لهم التصويت لاحقاً انتخاب رئيس البلاد، ما يشير إلى أن الإدارة الحالية لم تأت بجديد، وخاصة في دفع الصومال نحو انتخابات شعبية رئاسية، تجعل البلاد يتقدم بخطوات إلى الأمام .

من المتوقع في نهاية مايو / آذار الجاري أو مطلع يونيو/ حزيران المقبل أن تعقد اللجنة الوطنية للانتخابات مؤتمراً صحفياً حول شكل ونوع الانتخابات التي ستشهدها البلاد، وتبدي اللجنة استعداداتها لتنظيم انتخابات شفافة بعيدة عن تدخل الحكومة الفيدرالية، لكن يرى كثيرون أن الإدارة الحالية بإمكانها أن تضع يدها على مجريات اللجنة الوطنية للإنتخابات قبل فوات الأوان، أما بعد انقضاء مدة حكم الرئيس الحالي أو قربها، فإن تلك الإدارة الوطنية سيتوفر هامش كبير  من الاستغلالية في توظيف وإدارة ملف الانتخابات بالتعاون مع المنظمات الأممية والمشرفين الدوليين .

اللافت في الأمر،  أن الأمم المتحدة وسفراء الإتحاد الأروبي في مقديشو، لا يرغبون في جرّ البلاد إلى مزيد من القتامة والفوضى السياسية، ويتطلعون إلى تنظيم انتخابات رئاسية في موعدها ( فبراير 2021 )، وهذا ما بينته رسائل السفير البريطاني لدى مقديشو وسفير واشنطن و مكتب الأمم المتحدة لدى الصومال إلى الرئاسة الصومالية، ففي حال القفز على تلك الرسائل سواء من المعارضة الداخلية أو من البعثات الرسمية الدولية في مقديشو، فإن هذا سيؤدي إلى احتقان سياسي ونزاع داخلي ربما سيتطور فشل نظام الدولة ـ لاسمح الله ـ والعودة إلى المربع الأول.

أمام الحكومة الفيدرالية خيارات عدة وسيناريوهات يمكن أن تجنب البلاد عن صراع سياسي يقود من فشل إلى آخر، وأولها : أن تتبنى الحكومة الفيدرالية برنامجاً سياسياً واضحاً بشأن إعلان موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، وتحديد نوع الانتخابات المرتقبة، حيث يبدي الكثيرون شكوكاً حول أهلية الرئاسة الحالية في المشاركة في انتخابات ستكون الأحزاب بديلاً عن القبيلة، نظراً لعدم اتفاق الترويكا الحاكمة على تأليف كيان أو حزب سياسي يمثلهم، ثانياً : أن تمنح الحكومة الفيدرالية اللجنة الوطنية للانتخابات كافة الامتيازات وتدعمها لتنظيم انتخابات رئاسية يختار البرلمانيون رئيس البرلمان، كنموذج أفضل للتجنب عن صراع سياسي بين الأطياف الصومالية.

على النقيض، يرى كثيرون أن الحكومة الفيدرالية تواجه جملة من التحديات الأمنية والسياسية وهو ما يمكن أن يكون سببا رئيساً لتأجيل الانتخابات ولو لفترة قليلة، فبسط نفوذها على مناطق حركة الشباب في الجنوب الصومالي مازال غير مكتمل، فضلاً عن النزاع الحدودي البحري مع كينيا، وتفشي أزمة كورونا ومياه الفيضانات في وسط وجنوب البلاد .

في النهاية، تشكل الإنتخابات بالنسبة للدول الفقيرة وخاصة تلك الخارجة من نفق الحروب أزمة كبيرة، نظراً لعدم توفر سلطة فعلية رشيد أو إدارة ذات جذور صلبة، ناهيك عن شيوخ الفساد المالي والإداري في مؤسساتها، وهو ما يبعث على القلق في الحالة الصومالية، التي تتجه حالياً نحو منعطف خطير، فالتداول السلمي الذي شهدته البلاد في السنوات الأخيرة ليست مؤشراته تلوح في الأفق، وما يدار حالياً في الكواليس يوحي بأن المعارضة الداخلية ستواجه الحكومة الفيدرالية عبر منصات التواصل الإجتماعي وفضاء الإعلام وعبر الإحتجاج للمنظمات الأممية في مقديشو .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى