أوراق تحليلية

المشهد الإثيوبي ..الصراع في إقليم التيغراي وسيناريوهات المستقبل

الشافعي ابتدون

كاتب وباحث صومالي مهتم بقضايا القرن الأفريقي مشرف وحدة الدراسات في مركز الصومال للدراسات
Print Friendly, PDF & Email

تتسارع الأحداث السياسية والأمنية في إثيوبيا منذ تفجر الصراع العسكري في إقليم تيغراي في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2020؛ حيث تمكن الجيش الإثيوبي من طرد جبهة تحرير التيغراي من الإقليم، تحت تبرير “إنفاد القانون ” من قبل رئيس الحكومة الإثيوبية آبي أحمد الذي وصل إلى سدة الحكم في أعقاب الإحتجاجات الشعبية في فبراير/ شباط عام 2018، وتمكن آبي أحمد من طرد الجبهة من عاصمة ميكيلي إلى الأرض الجبلية الوعرة في غضون خمسة أشهر بعد حرب عسكرية طاحنة، شاركت فيها إريتريا بعتادها العسكري الضخم وجيشها، هذا فضلاً عن دعم عسكري جوي إمارات في قصف اهداف عسكرية محددة عبر طائرات من دون طيار إماراتية، وهو ما ساهم في هزيمة القوات التابعة للجبهة .

لكن سرعات ما تبدل المشهد العسكري في الإقليم بعد تسعة أشهر من معارك كر وفر بين الجيش الإثيوبي ومسلحي جبهة التيغراي، الذين تمكنوا منذ أواخر يونيو / حزيران الماضي، من بسط نفوذهم العسكري في الإقليم وطرد القوات الأمهرية والجيش الإثيوبي، ووصف آبي أحمد هذا التراجع العسكري بأنه ينطوي تحت إطار “استجابة لنداءات منظمات حقوق الإنسان”، وأعلن هدنة من طرف واحد، لكن هذا الإعلان عكس قراءة عسكرية لدى الخبراء والمحللين الأمنيين، وسرعان ما أيقنوا أن الجيش الإثيوبي تلقى ضربة عسكرية من المقاتلين التابعين لجبهة تحرير التيغراي، بعد أن تلقوا تدريبات عسكرية على يد جنرالات وقدامى المحاربين في الجيش الإثيوبي، والذين يتمتعون بخبرة عسكرية ويجيدون أساليب الحرب العسكرية مقارنة مع الضباط وجنرالات الجيش الإثيوبي، وذلك بعد عزل عدد كبير من الجنرالات المنحدرين من قومية التيغراي.

وبحسب الأخبار الواردة من إقليم التيغراي، فإن الجبهة استطاعت تحرير الإقليم من الوجود العسكري من الجيش الإثيوبي وقوات الأمهرا، هذا فضلاً عن تقدمها عسكرياً في مناطق أخرى داخل حدود وتخوم إقليم أمهرا؛ حيث استولوا بضعة أيام على مدينة استراتيجية تابعة لإقليم أمهرا، وهو ما يشكل خطراً على تفجر حرب عسكرية جديدة بين القوميتين، نظراً للعداء التاريخي والتقليدي بين الأمهرا والتيغراي منذ الإطاحة بنظام هيلاسيلاسي في سبيعينات القرن الماضي .

ويحاول حالياً رئيس الحكومة الإثيوبي آبي أحمد تجييش القوميات ضد قومية التيغراي، بينما تسعى قومية الأمهر لحشد شبابها لصد هجمات التيغراي، والوقوف إلى جانب الجيش الإثيوبي، هذا فضلاً عن دعم معنوي توفره قومية الأورومو لآبي أحمد، رغم وجود مليشيات مسلحة أخرى مناهضة للنظام، وهو ما يعكس أن الجبهة الداخلية لآبي أحمد غير موحدة في حربه على التيغراي الذين كانوا يحكمون إثيوبيا بقوة السلاح والرصاص منذ عقدين.

وما يعزز فرضية انتصار جبهة التيغراي على الجيش الإثيوبي، أنها تواصل يوماً بعد الآخر تقدمها العسكري نحو السيطرة على مدن أخرى، وأصدرت مطلع يوليو / تموز عن قائمة شروط للتفاوض مع آبي أحمد، وأصبحت في موقف يسمح لها وضع الشروط بعد أن تمكنت من استعادة نفوذها العسكري والميداني، بينما يبدو آبي أحمد مشوشاً وغير قادر على اجتثاث هذا السرطان كما يصف بـالجبهة، ولاتزال تصريحاته لتشويه صورة الجبهة في مخيلة الإثيوبيين مستمرة عبر الإعلام الرسمي، لكن دون أن يتمكن في ردع التمدد العسكري للجبهة، والتي وضعت الجيش الإثيوبي في موقف الدفاع لا مطاردة فلول الجبهة والحشائش كما تصف قيادة اثيوبيا بـالتيغراي .

في المشهد الانتخابي، حقق آبي أحمد فوزاً مقنعاً لأنصاره؛ حيث فاز حزب الإزدهار بـ410 مقعداً من أصل 447 مقعداً، رغم عدم إجراء الانتخابات في إقليم التيغراي وإقليم الصومال الغربي لأسباب فنية وأمنية ولوجستية، (غياب تمثيل أكثر من 40 دائرة انتخابية) ولكن فوز آبي أحمد بالانتخابات النيابية ستمكنه من ترتيب بيته الداخل وحشد التأييد من الأحزاب السياسية المؤيدة والمعارضة له أيضاً لدخول معركة أخيرة مع التيغراي، لكن وفق مراقبين، فإن آبي أحمد لن يتمكن من اقناع الأحزاب الأخرى في الاصطفاف إليه، وتخشى تلك الأحزاب التي تمثل القوميات الأخرى، أن يأتي عليها الدور، وترى أن فرصة تتويج نظام حكم دكتاتوري آخر لن يمر عبر البرلمان الإثيوبي، وهو ما يعكس أزمة قيادة في إثيوبيا منذ رحيل ميلس زيناوي (1994-2012) مؤسس النظام الفيدرالي الإثني في إثيوبيا .

سيناريوهات ومآلات المستقبل

يمكن تلخيص الأزمة الإثيوبي في ثلاثة سيناريوهات وهي سيناريوهات في مجملها لاتبشر بخير وتنذر بإراقة دماء الأبرياء في إثيوبيا .

  • حرب جديدة في إقليم التيغراي

تبدو مؤشرات هذا السيناريو واردة حالياً في المشهد الإثيوبي وتوحي الدلائل بقرب معركة عسكرية طاحنة في إقليم التيغراي، لكن تظل علامة الاستفهام باقية من سينتصر في هذه الجولة من المعركة العسكرية، فهل يستطيع آبي أحمد قلب معادلة الصراع لصالحه أم أن الجبهة ستبرز نفوذها العسكري ومدى خبرتها القتالية في صد الهجمات العسكرية ضدها، والتي اكتسبت قياداتها خلال حكم إثيوبيا منذ عقود، وحربها الطاحنة مع إريتريا نهاية التسعينيات من القرن الماضي قبل اتفاقية الجزائر للتوسط بين الجانبين، ووقف الحرب والنزاع العسكري، هذا فضلاً عن خبرة قيادتها في حسم المعارك العسكرية ضد الجبهات والمليشيات المسلحة، وهي الآن تستخدم هذا الأسلوب لتقويض نفوذ الجيش الإثيوبي في 9 مناطق في إثيوبيا، ما يمكنها مستقبلاً مواجهة أي عدوان عسكري من الجيش الإثيوبي.

  • حرب أهلية (صراع الإثنيات )

يبدو هذا السيناريو راجحاً حالياً في الوضع الإثيوبي الذي يثير قلقاً إقليمياً ودولياً من تفجر صراع بين الإثنيات، وهذا السيناريو سيتعزز أيضاً مع فشل نظام آبي أحمد على حسم الصراع مع جبهة تحرير التيغراي سلماً أو حرباً، وهو مايمكن أن يشجع قوميات أخرى على الثورة ضد نظام آبي أحمد، بما أن المشهد الإثيوبي قابل للتفجر بين الإثنيات، فإن مؤشرات الحرب الأهلية بدأت حالياً، وخاصة بين قوميتي العفر والصوماليين،  حيث أدت المعارك الطاحنة خلال هذا الأسبوع إلى مقتل نحو 400 جندي صومالي، وتمكنت قوات العفر من السيطرة على مدن صومالية، الحال ذاته يشبه بين قومية التيغراي والأمهرا، والتي يدور صراعها حالياً في تخوم إقليم أمهرا وهو ماينذر بحرب أهلية طاحنة بين الإثنيات الإثيوبية، هذا إلى جانب صراع الأرومو والصوماليين، نتيجة الصراع على هيمنة بعض المناطق والمدن بين الجانبين، وتأتي كل تلك الحروب نتيجة ضعف السياسات الإصلاحية لآبي أحمد، وعدم تمكنه من فرض وفاق داخلي بين القوميات، وهو مايجعل المشهد الإثيوبي برمته قابل نحو حرب شاملة بين الإثنيات من جهة وبين أبي أحمد وجبهة تحرير التيغراي من جهة ثانية .

  • انقلاب على نظام آبي أحمد

“من يقوم بنصف ثورة هو كمن يحفر قبره بيده” تبدو مقولة ماوو تسي تونغ، مؤسس جمهورية الصين الشعبية، تنطبق تماماً على آبي أحمد الذي تبنى ثورة انفتاح وإصلاح سياسي في إثيوبيا عام 2018، لكن يبدو أنه اليوم يدفع ثمن هذا الانفتاح، فقيادات الأحزاب التي عادت إلى الواجهة تبحث اليوم عن أي إمكانية للوصول إلى السلطة، خاصة قيادات الأمهر، التي تعتقد أن بإمكانها استعادة مجدها القديم، بين قومية التيغراي تحاول أن تكون نظاماً موازياً في رفضها الذي تمثل في عدم تأجيل الانتخابات نتيجة جائحة كورونا في سبتمبر عام 2020، وهو مافجر الصراع السياسي والعسكري بين النظام الإثيوبي، والجبهة .

ومع استمرار حلقات انهيار البنية النظامية والمؤسسية لآبي أحمد وعدم قدرته على حسم الصراع مع التيغراي وإخماد نيران الحرب بين الإثينيات الإثيوبية، فإن سيناريو الانقلاب الإثيوبي على آبي أحمد ترجحه الدوائر الغربية، حيث كشفت تقارير استخباراتية أمريكية عن قرب حدوث انقلاب عسكري على النظام الحاكم في أديس أبابا، فالغرب وأمريكا لاتروقهما كيفية إدارة المعركة الداخلية من جهة آبي أحمد، على الرغم من كسبه تأييد الصين وروسيا في مجلس الأمن الدولي، لكن نتيجة ثقل وضغوط الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوربية عدة سيواجه آبي أحمد مستقبلاً غامضاً وكذلك أيضاً مشروع سد النهضة، والنمو الاقتصادي الذي شهدته إثيوبيا منذ عام 2012.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى