تقدير موقف

العلاقات الصومالية المصرية في ضوء المتغيرات الجيوسياسية في القرن الأفريقي

مركز الصومال للدراسات

مركز الصومال للدراسات، مؤسسة بحثية مستقلة، تقوم على إعداد البحوث والدراسات والتقديرات وأوراق السياسات، وتنظيم الفعاليات العلمية والأكاديمية وتقديم الاستشارات حول التفاعلات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية في منطقة القرن الأفريقي

مقدمة

تمثل منطقة القرن الأفريقي عمقاً استراتيجياً حيوياً للأمن القومي المصري، ليس فقط لارتباطها المباشر بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بل لكونها تقع في الدائرة الجغرافية والسياسية المؤثرة على منابع النيل. وفي هذا السياق، تكتسب العلاقات المصرية الصومالية أهمية استثنائية تتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية لتلامس ضرورات البقاء والأمن الإقليمي.

شهدت السنوات الأخيرة تحولات دراماتيكية في المشهد الجيوسياسي لمنطقة شرق أفريقيا، تمثلت في تصاعد حدة التنافس الدولي والإقليمي، وظهور فاعلين جدد، فضلاً عن التحديات الداخلية التي تواجه الدولة الصومالية في مساعيها لاستعادة الاستقرار. تأتي هذه الورقة لتسلط الضوء على طبيعة الحضور المصري في هذا المشهد المعقد، محاولةً فهم الديناميكيات التي تحكم العلاقة بين القاهرة ومقديشو في ضوء المتغيرات المستجدة[1].

مصر في القرن الأفريقي: ترسيم أولي

لا يمكن فهم السياسة الخارجية المصرية تجاه الصومال بمعزل عن الرؤية المصرية الشاملة لمنطقة القرن الأفريقي. تاريخياً، نظرت مصر إلى هذه المنطقة باعتبارها “الخاصرة الجنوبية” لأمنها القومي. وتستند هذه الرؤية إلى مرتكزين أساسيين:

  1. أمن البحر الأحمر:حيث يُعد تأمين الملاحة في قناة السويس هدفاً وجودياً لمصر، وأي تهديد في القرن الأفريقي ينعكس مباشرة على حركة التجارة العالمية المارة عبر القناة.
  2. الأمن المائي:تقع دول القرن الأفريقي في محيط حوض النيل أو جواره الجغرافي المؤثر، مما يجعل استقرارها وعلاقاتها مع دول المنابع (خاصة إثيوبيا) مسألة حساسة لصانع القرار المصري.

في السنوات الأخيرة، سعت مصر لإعادة صياغة دورها في المنطقة من خلال “دبلوماسية التنمية” والتعاون العسكري، محاولةً ملء الفراغ الذي تركه تراجع الدور العربي في فترات سابقة، والذي سمح لقوى إقليمية أخرى (مثل تركيا وإيران وإسرائيل) بتوسيع نفوذها.

الحضور المصري في الصومال: قراءة تاريخية

يمكن تقسيم تطور العلاقات المصرية الصومالية والحضور المصري هناك إلى ثلاث مراحل مفصلية تعكس تذبذب التفاعل بين البلدين وفقاً للظروف الداخلية والإقليمية:

  1. مرحلة الستينيات: الدعم والتحرر

شكلت فترة الستينيات العصر الذهبي للعلاقات، حيث لعبت مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر دوراً محورياً في دعم استقلال الصومال ووحدته. قدمت القاهرة دعماً سياسياً وعسكرياً وثقافياً (عبر البعثات الأزهرية والتعليمية)، واعتبرت الصومال رأس حربة لمواجهة النفوذ الاستعماري في شرق أفريقيا. كان “كمال الدين صلاح”، المندوب المصري في مجلس الوصاية بالأمم المتحدة، رمزاً لهذا الدعم حتى اغتياله في مقديشو عام 1957، مما رسخ في الوجدان الصومالي مكانة خاصة لمصر.

  1. مرحلة الثمانينيات: الجمود والتحولات

مع تغير التوجهات السياسية في مصر بعد كامب ديفيد، ودخول الصومال في حرب أوجادين مع إثيوبيا (التي كانت مدعومة من المعسكر الشرقي)، شهدت العلاقات نوعاً من التحول. رغم استمرار الدعم الدبلوماسي المصري لوحدة الصومال، إلا أن انشغال مصر بترتيبات السلام واستعادة سيناء، بالتوازي مع المشاكل الداخلية لنظام سياد بري، أدى إلى تراجع الزخم الثوري الذي ميز المرحلة السابقة. ومع ذلك، استمر التعاون العسكري والأمني، حيث كانت مصر ترى في الصومال ثقلاً موازناً لإثيوبيا.

  1. ما بعد انهيار نظام سياد بري (1991): الانكفاء والعودة

عقب انهيار الدولة الصومالية عام 1991، دخلت الصومال في حرب أهلية طاحنة. تراجع الدور المصري المباشر بشكل ملحوظ نتيجة الفوضى الأمنية، واكتفت القاهرة بالعمل تحت مظلة الجامعة العربية والمنظمات الدولية. هذا الغياب النسبي سمح لقوى أخرى بالتدخل. ومع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة، بدأت مرحلة جديدة من “العودة” تمثلت في إعادة فتح السفارة المصرية، وتنشيط التعاون في مجالات التعليم والصحة والتدريب العسكري، في محاولة لاستعادة الدور الريادي المفقود.

التموضع المصري بعد الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال

يشير هذا المحور إلى المتغيرات الحديثة المتعلقة بإقليم “أرض الصومال” (Somaliland) الانفصالي. إن أي تقارب أو اعتراف من قبل قوى إقليمية مثل إسرائيل (أو حتى الاتفاقيات الأخيرة مع إثيوبيا بخصوص المنفذ البحري) يمثل تحدياً صارخاً للثوابت المصرية.

تنظر القاهرة إلى أي اعتراف دولي بانفصال أرض الصومال باعتباره تهديداً لوحدة الأراضي الصومالية، وبالتالي تهديداً للأمن القومي العربي. في حالة وجود تفاهمات إسرائيلية-أرض صومالية، أو إثيوبية-أرض صومالية، فإن الرد المصري يأتي عادة عبر تعزيز شرعية الحكومة الفيدرالية في مقديشو. يتجلى التموضع المصري هنا في:

  • الدعم الشرعي المطلق: التأكيد المستمر في المحافل الدولية على وحدة الصومال وسيادته على كافة أراضيه.
  • التواجد العسكري غير المباشر: تقديم الدعم اللوجستي والتدريبي للجيش الصومالي لتمكينه من بسط سيطرته.
  • الرفض القاطع للمذكرات الأحادية: كما حدث في رفض مصر لمذكرة التفاهم الإثيوبية مع أرض الصومال (يناير 2024)، واعتبارها انتهاكاً لسيادة دولة عربية عضو في الجامعة العربية.

العلاقات الصومالية المصرية: حذر وتأني

رغم الخطاب الدبلوماسي الإيجابي، تشوب العلاقات في بعض مستوياتها حالة من “الحذر والتأني”. يمكن عزو أسباب هذا الحذر وعدم الثقة الكاملة (أحياناً من الجانب المصري) إلى عدة عوامل:

  1. التنافس الإقليمي:يخشى بعض الأطراف في الداخل الصومالي أن تكون الصومال ساحة لتصفية الحسابات بين مصر وإثيوبيا (حروب بالوكالة)، خاصة في ملف سد النهضة.
  2. الذاكرة التاريخية القريبة:غياب مصر الطويل عن الساحة الصومالية خلال العقود الثلاثة الماضية ترك فراغاً ملأته قوى أخرى (مثل تركيا وقطر والإمارات)، مما خلق ولاءات ومصالح متشابكة قد تتعارض أحياناً مع الرؤية المصرية.
  3. القدرات الاقتصادية:تواجه مصر تحديات اقتصادية قد تحد من قدرتها على تقديم دعم مالي ضخم ينافس ما تقدمه دول الخليج أو تركيا، مما يجعل النفوذ المصري معتمداً أكثر على “القوة الناعمة” والأمنية، وهو ما قد لا يكفي لبناء ثقة استراتيجية كاملة لدى النخب السياسية الصومالية البراغماتية.

سيناريوهات العلاقات بين القاهرة ومقديشو

في ضوء المعطيات السابقة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل العلاقات:

  • السيناريو الأول: الشراكة الاستراتيجية الكاملة. يفترض هذا السيناريو نجاح مصر في تقديم نفسها كضامن أمني موثوق للصومال في مواجهة الأطماع الإثيوبية، مما يدفع مقديشو للارتماء في الحضن المصري وتفعيل اتفاقيات دفاع مشترك. (احتمالية متوسطة).
  • السيناريو الثاني: التعاون التكتيكي المحدود. استمرار العلاقات في إطارها الحالي، حيث تستفيد الصومال من الدعم المصري السياسي والتدريبي لوزن الكفة مع إثيوبيا، دون الوصول لدرجة التحالف الكامل تجنباً لاستفزاز قوى إقليمية أخرى داعمة للصومال ولها علاقات جيدة مع إثيوبيا. (احتمالية مرتفعة).
  • السيناريو الثالث: الجمود والتوتر. قد يحدث هذا في حال نجحت الضغوط الخارجية على الحكومة الصومالية لتحجيم الدور المصري، أو في حال تصاعدت المخاوف الصومالية من تحويل أراضيها لساحة صراع مياه. (احتمالية منخفضة).

خاتمة

ختاماً، تُظهر الورقة البحثية أن العلاقات المصرية الصومالية تمر بمنعطف تاريخي حاسم. لم تعد الصومال مجرد دولة شقيقة في جامعة الدول العربية بالنسبة لمصر، بل أصبحت خط الدفاع المتقدم عن المصالح المصرية في مواجهة التمدد الإثيوبي والتهديدات الأمنية في البحر الأحمر. إن نجاح السياسة الخارجية المصرية في القرن الأفريقي مرهون بقدرتها على موازنة “القوة الخشنة” (الدعم العسكري) بـ “القوة الناعمة” (التنمية والثقافة)، مع ضرورة بناء جسور ثقة حقيقية مع كافة المكونات السياسية الصومالية لتجاوز مرحلة الحذر والتوجس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى