مواجهات مقديشو ..نقاط الخلاف وسيناريو الأزمة

مقدمة
شهدت العاصمة الصومالية مقديشو في مطلع شهر يونيو/حزيران 2026 تصعيداً أمنياً خطيراً، تمثل في اندلاع اشتباكات مسلحة عنيفة بين قوات الشرطة والأمن التابعة للحكومة الفيدرالية من جهة، ومسلحين موالين لشخصيات سياسية معارضة من جهة أخرى. وقد تفجرت هذه المواجهات الدامية عشية استعداد قوى المعارضة لتنظيم احتجاجات شعبية واسعة النطاق ومخطط لها مسبقاً، تنديداً بالسياسات الحالية للرئيس حسن شيخ محمود، وسط اتهامات متصاعدة له بتطويع النصوص الدستورية وتجاوز الأطر القانونية بغية تمديد ولايته الرئاسية وتأجيل الاستحقاقات الانتخابية. وتأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة لتسلط الضوء على عمق الأزمة السياسية الهيكلية التي تعصف بالبلاد، والتي تتجاوز مجرد الخلاف على آليات التصويت لتصل إلى صراع وجودي حول شكل الدولة الفيدرالية وتوزيع الصلاحيات فيها. وفي ظل هذا المشهد المحتقن، سارعت الأطراف الدولية الفاعلة، وعلى رأسها الأمم المتحدة وسفارة الولايات المتحدة الأمريكية في مقديشو، إلى إصدار تحذيرات شديدة اللهجة وبيانات عاجلة تدعو إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية، محذرة من أن الانزلاق نحو مربع العنف المسلح سيؤدي حتماً إلى نسف المكاسب الأمنية الهشة التي تحققت بشق الأنفس خلال السنوات الماضية، وسيعيق بشكل كارثي الجهود الوطنية والدولية المشتركة الهادفة إلى دحر الجماعات المتمردة وإرساء دعائم الاستقرار الشامل في منطقة القرن الأفريقي.
أولاً: نقاط الخلاف بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة الصومالية
- الجدل حول تفسير التعديلات الدستورية وتمديد الولاية الرئاسية
تتمحور نقطة الخلاف المركزية والمحرك الأساسي للأزمة الراهنة حول حزمة التعديلات الدستورية المثيرة للجدل التي أقرها البرلمان الصومالي في أواخر مارس/آذار 2026. فقد تضمنت هذه التعديلات تغييرات جوهرية تمس البنية الهيكلية للنظام السياسي، وعلى رأسها تعديل الإطار الزمني للانتخابات وتمديد ولاية الرئيس والمؤسسات التشريعية الفيدرالية. وقد قوبلت هذه الخطوة برفض قاطع ومقاومة شرسة من قبل أطياف واسعة من المعارضة السياسية، وتُرجم هذا الرفض إلى مشاهد من الفوضى والاشتباكات بالأيدي داخل قبة البرلمان نفسه أثناء جلسات التصويت على مسودة التعديلات. وترى قوى المعارضة أن هذه التعديلات ليست سوى مسعى منهجي ومكشوف من قبل السلطة التنفيذية لفرض أمر واقع جديد يتيح للرئيس البقاء في سدة الحكم خارج الإطار الزمني الذي منحه إياه التفويض الشعبي والسياسي السابق، معتبرة أن أي تأجيل للانتخابات تحت ذريعة التعديلات الدستورية يمثل خرقاً صريحاً للميثاق الوطني وتجاوزاً للمهل القانونية المتفق عليها وطنياً.
- الروايات المتضاربة حول طبيعة التصعيد الميداني واستخدام القوة
اتخذ الخلاف السياسي طابعاً عسكرياً عنيفاً مع التعبئة التي سبقت المظاهرات المخطط لها، وهو ما أفرز روايتين متناقضتين تماماً حول مجريات الأحداث الميدانية. فبحسب المعارضة، وفي مقدمتها شخصيات وازنة مثل رئيس الوزراء الأسبق حسن علي خيري والرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد، شنت الأجهزة الأمنية والقوات العسكرية التابعة للحكومة هجمات استباقية وغير مبررة، مستخدمة الأسلحة الثقيلة لمحاصرة مقار إقامتهم وتفريق التجمعات السلمية، في مسعى واضح لقمع حرية التعبير ومنع تنظيم الاحتجاجات المنددة بسياسات الرئيس. وعلى النقيض من ذلك تماماً، بحسب الحكومة وقيادة الشرطة في العاصمة، فإن التدخل الأمني لم يكن موجهاً ضد متظاهرين سلميين، بل جاء كرد فعل ضروري وحازم لمواجهة هجمات منظمة ومنسقة شنتها ميليشيات مسلحة تابعة وموالية لشخصيات سياسية معارضة. وتصر الرواية الحكومية على أن هذه الفصائل المسلحة كانت تهدف إلى إشاعة الفوضى وتقويض الأمن العام في مقديشو، مما حتم على أجهزة إنفاذ القانون التدخل الفوري لحماية مؤسسات الدولة والحفاظ على استقرار العاصمة.
- صراع المركزية وموقف الولايات الفيدرالية الرافض
لا يقتصر المشهد الخلافي على التوترات داخل العاصمة مقديشو فحسب، بل يمتد ليشمل صراعاً هيكلياً عميقاً بين الحكومة الفيدرالية المركزية وبعض الولايات الإقليمية ذات الثقل السياسي، وتحديداً ولايتي بونتلاند وجوبالاند. تعارض قيادات هذه الولايات بشدة نهج الحكومة المتمثل في تركيز السلطات وتمرير تشريعات انتخابية دون تحقيق إجماع وطني شامل يعكس طبيعة النظام الفيدرالي المعقد في الصومال. وتعتبر هذه الولايات أن قرارات مقديشو الأحادية بتعديل الدستور وتغيير آليات العملية الانتخابية تمثل تهميشاً متعمداً لدورها وتقليصاً لنفوذها التاريخي في تشكيل الخارطة السياسية للبلاد. وقد أدى هذا الصراع المتجذر حول المركزية وتقاسم النفوذ إلى انهيار العديد من جولات الحوار السياسي وفشل المحاولات الرامية لتوحيد المواقف، مما يعمق من حالة الاستقطاب ويجعل من تنفيذ أي أجندة انتخابية وطنية أمراً شبه مستحيل في ظل مقاطعة وممانعة أطراف فاعلة ومؤثرة تمتلك أذرعاً سياسية وعسكرية على الأرض.
- إشكالية مشروع الاقتراع المباشر والجاهزية اللوجستية
يشكل تبني نظام الاقتراع المباشر القائم على مبدأ “صوت واحد لكل شخص” محوراً خلافياً معقداً في الأزمة الحالية. ورغم أن هذا المبدأ يُعد طموحاً ديمقراطياً نبيلاً ومطلباً نظرياً تتفق عليه معظم القوى السياسية لإخراج البلاد من عباءة النظام الانتخابي العشائري غير المباشر، إلا أن الخلاف الجوهري ينصب حول التوقيت والجاهزية ومدى شرعية تطبيقه في الظروف الراهنة. تؤكد المعارضة أن البلاد تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية، الإحصاء السكاني الدقيق، والسيطرة الأمنية الشاملة على الأراضي الصومالية لإجراء انتخابات مباشرة وشفافة. وبالتالي، يُنظر إلى إصرار السلطة على تطبيق هذا المشروع الطموح والمفاجئ على أنه مناورة سياسية وذريعة مقصودة لتأجيل الاستحقاقات الانتخابية إلى أجل غير مسمى بحجة استكمال التحضيرات اللوجستية والفنية، مما يسمح في نهاية المطاف بتمديد بقاء الإدارة الحالية في السلطة أطول فترة ممكنة دون رقابة برلمانية أو تفويض انتخابي جديد.
ثانياً : مأزق الشرعية الدستورية وتآكل الثقة المؤسسية
إن إصرار الحكومة الفيدرالية على المضي قدماً في إقرار وتنفيذ التعديلات الدستورية بعيداً عن التوافق السياسي العريض أدّى إلى إحداث شرخ عميق في بنية الشرعية الدستورية للدولة. فعندما يتم تغيير قواعد اللعبة السياسية وتمديد ولايات دستورية بأغلبية برلمانية مشكوك في نزاهة إجراءاتها وفي ظل مقاطعة قوى فاعلة، تتآكل بشكل تدريجي ثقة المواطنين والفاعلين السياسيين في مؤسسات الدولة. هذا المسار الذي تتبناه الإدارة الحالية يعيد إنتاج بيئة من التشكيك الدائم في شرعية أي حكومة تتمخض عن هذه التعديلات، مما يحول الدستور من وثيقة مرجعية لحل النزاعات إلى أداة لتكريس الاستقطاب وتصفية الحسابات السياسية، ويعقد من إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية شاملة ومستدامة تنهي حالة الانقسام المزمنة التي يعاني منها الصومال منذ عقود.
و أفرزت المواجهات الحالية والخلافات المستحكمة حول التعديلات الدستورية ارتباكاً هائلاً في الجدول الزمني للانتخابات الوطنية. فرغم أن الانتخابات المحلية التي جرت في مقديشو أواخر عام 2025 كانت بمثابة اختبار أولي وخطوة تمهيدية للانتقال نحو تطبيق نظام الاقتراع المباشر على المستوى الفيدرالي، إلا أن تعثر مسار التوافق وتفجر الأوضاع الأمنية جعلا من الالتزام بالمواعيد المحددة للانتخابات الوطنية أمراً غير واقعي. إن هذا التأجيل المتكرر والدخول في مراحل انتقالية مفتوحة ومبهمة المعالم يفرغان العملية الديمقراطية من مضمونها الحقيقي، ويضعان البلاد أمام فراغ تشريعي وتنفيذي خطير. كما أن ربط إجراء الانتخابات بتسوية الخلافات الدستورية المعقدة يعني رهن المستقبل السياسي للصومال بصفقات اللحظة الأخيرة، مما يعزز من فرص استمرار التوترات الميدانية والسياسية إلى أجل غير مسمى.
كما تلقي الأجواء المشحونة والتدابير الأمنية الصارمة المتخذة في مقديشو بظلال قاتمة على “البيئة التمكينية” الضرورية لممارسة أي عمل سياسي ديمقراطي حقيقي. فمن خلال استخدام القوة المسلحة لتفريق التجمعات ومنع المظاهرات، تتقلص المساحات المتاحة للمعارضة المدنية والسياسية للتعبير عن مواقفها والتواصل مع قواعدها الشعبية. إن هذا الانكماش الحاد في مساحة الحريات وتقييد حرية التجمع والتنظيم يفرغ أي خطابات حكومية حول التحول الديمقراطي أو إجراء انتخابات حرة من مصداقيتها. علاوة على ذلك، فإن عسكرة الخلافات السياسية تدفع الفاعلين السياسيين للجوء إلى الأطر العشائرية وتعبئة الميليشيات كبديل لغياب الفضاء المدني الآمن، مما يقوض جهود المجتمع المدني والمراقبين المستقلين في تقييم وتهيئة الساحة لانتخابات شفافة ونزيهة تحظى باعتراف جميع الأطراف.
وتتجاوز التداعيات السلبية للاشتباكات في مقديشو الأبعاد السياسية والدستورية لتضرب في صميم البنية الاقتصادية والاجتماعية للعاصمة. فقد أدت المواجهات العنيفة إلى إغلاق الطرق الرئيسية الحيوية وتعطيل شريان الحياة الاقتصادية، وخاصة سوق “بكارة” الذي يُعد المركز التجاري الأكبر والأهم في البلاد، فضلاً عن تعثر عمل المؤسسات الخدمية والأنشطة اليومية للمواطنين. هذا الشلل الاقتصادي يترافق مع موجات نزوح داخلي للمدنيين الفارين من مناطق الاشتباكات بحثاً عن ملاذات آمنة، مما يعمق من وطأة الأزمات المجتمعية ويفاقم من معدلات الفقر والبطالة. إن استمرار حالة اللاحسم واستنزاف الموارد الاقتصادية الشحيحة أساساً في نزاعات سياسية عبثية، يؤدي إلى ضرب مقومات الصمود المجتمعي، ويجعل من وعود الاستقرار والتنمية والرفاه التي تروج لها السلطة مجرد شعارات فارغة لا تجد طريقها للتطبيق على أرض الواقع.
ثالثاً: سيناريوهات ومآلات الأزمة
- سيناريو التصعيد الشامل واستنساخ أزمة 2021
يتمثل السيناريو الأكثر تشاؤماً وخطورة في إخفاق كافة وساطات التهدئة وتمسك كل طرف بمواقفه المتصلبة، مما قد يدفع المعارضة إلى التعبئة العسكرية الشاملة وتوسيع نطاق المواجهات. هذا السيناريو يعيد بقوة إلى الأذهان الأحداث الدراماتيكية التي عصفت بالصومال في أبريل/نيسان 2021، عندما أسفرت محاولة الرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو تمديد ولايته عن انقسام حاد داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية على أسس عشائرية ومناطقية. حينها، سيطرت قوات مناهضة للحكومة على أجزاء واسعة واستراتيجية من العاصمة مقديشو، مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين وتوقف شبه تام لمؤسسات الدولة. إن الانزلاق مجدداً نحو هذا السيناريو يعني فعلياً انهيار سلطة الدولة المركزية، وتحويل العاصمة إلى كانتونات متناحرة، وتقويض كامل لمنظومة الأمن الهشة التي تم بناؤها بدعم دولي مكثف خلال السنوات الماضية.
- التأثير الكارثي على مسار الحرب ضد حركة الشباب
يمثل تشتت الجهود الوطنية والانشغال بالصراعات السياسية الداخلية تهديداً مباشراً واستراتيجياً على مسار الحرب المفتوحة ضد حركة الشباب المتمردة. ففي حال استمرار المواجهات السياسية والعسكرية بين فرقاء العمل السياسي في مقديشو، فإن القوات المسلحة الصومالية والأجهزة الأمنية ستجد نفسها مضطرة لإعادة توجيه مواردها وقدراتها اللوجستية نحو الداخل لحسم النزاعات وتأمين مقار الحكم، بدلاً من التركيز على جبهات القتال المشتعلة في الأقاليم. هذا الفراغ الأمني والارتباك القيادي سيوفر لحركة الشباب فرصة ذهبية لالتقاط الأنفاس، إعادة ترتيب صفوفها، وشن هجمات مضادة لاستعادة المناطق التي خسرتها سابقاً. لقد أثبتت التجربة في عام 2021 أن الانقسام السياسي يشكل أكبر دافع لوجستي ومعنوي للجماعات الإرهابية، مما يعني أن المضي في طريق التصعيد سيؤدي إلى تبديد كل التضحيات العسكرية وتعريض الأمن القومي الصومالي للخطر الداهم.
- سيناريو التراجع التكتيكي والرضوخ للضغوط الدولية
في مقابل سيناريوهات التصعيد، يظل مسار التهدئة والتراجع التكتيكي خياراً قائماً ومرجحاً، ويستند بشكل رئيسي إلى كثافة وصرامة الضغوط الممارسة من قبل المجتمع الدولي. إن البيانات التحذيرية الصادرة عن الأمين العام للأمم المتحدة، إلى جانب التحركات الدبلوماسية الحثيثة والتحذيرات الصريحة من سفارة الولايات المتحدة في مقديشو بخطورة الموقف، تشكل أدوات ضغط هائلة على الإدارة الحالية. وكما حدث تماماً في سابقة عام 2021، عندما اضطر الرئيس فرماجو في نهاية المطاف إلى الانحناء أمام عاصفة الرفض الداخلي والضغط الدولي، والتخلي عن قرار تمديد الولاية، قد يجد الرئيس حسن شيخ محمود نفسه مجبراً على تقديم تنازلات جوهرية. يتضمن هذا السيناريو تعليق العمل بالمواد الدستورية الخلافية، والدعوة لحوار وطني شامل يضم كافة القوى السياسية والولايات الفيدرالية للاتفاق على خارطة طريق انتخابية تحظى بقبول وتوافق جميع الأطراف وتجنب البلاد شبح الانزلاق إلى الحرب الأهلية المفتوحة.
خاتمة
يواجه الصومال اليوم منعطفاً تاريخياً وحرجاً يضع استقراره السياسي والأمني على المحك الحقيقي. إن اندلاع المواجهات المسلحة في مقديشو بين القوات الحكومية وفصائل المعارضة يعكس حالة من الانسداد السياسي العميق الناتج عن محاولات فرض تغييرات دستورية وانتخابية غير توافقية. وبينما تسوغ الحكومة خطواتها برغبتها في إرساء دعائم الديمقراطية عبر الاقتراع المباشر، ترى المعارضة والولايات الفيدرالية في هذه الإجراءات تهديداً للمكتسبات الوطنية وسعياً لتكريس احتكار السلطة وتجاوز المهل الدستورية. في ظل هذه المعطيات المعقدة، والسابقة التاريخية لأزمة 2021، يصبح واضحاً أن الحلول الأحادية والعسكرية لن تفضي إلا إلى مزيد من التشظي والانقسام، وتوفير بيئة خصبة لتمدد حركة الشباب الإرهابية وانهيار الاقتصاد المحلي. وبالتالي، فإن المخرج الآمن الوحيد لتجنب الكارثة يكمن في استجابة الأطراف الصومالية للضغوط والمناشدات الدولية، والاحتكام الفوري إلى طاولة الحوار البناء من أجل صياغة إطار دستوري وانتخابي توافقي يحفظ سيادة الدولة الفيدرالية، ويضمن استمرار مسيرة بناء المؤسسات والانتقال السلمي والديمقراطي للسلطة بعيداً عن لغة السلاح والإقصاء.



